مجموعة مؤلفين
6
نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )
لا يشبه خلقا جسدانيا فصل عن الموكب الإلهي واتّصل بالرّوح الانساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد الفوز الأجلى . . . » . أجل ، لقد اهتدى علي ( ع ) إلى الحقائق الثابتة وفلسفة الخلق بصورة تجد كلامه الشفّاف يخلّد الحياة وهو أيضا خالد خلود الدهر . فلا غرو ، إذ هو من كلام من تربّى في أحضان النّبيّ ( ص ) وارتوى من معين الوحي ونما وترعرع في بيت القرآن . . . وهو من كلام من لمس كلام اللّه بكلّ كيانه ، فتجسّد فيه الايمان وأصحّ هو ذاته مجلى للحقّ وباب مدينة علم النّبيّ ( ص ) إذن ، فلا عجب أن يصدر منه كلام على مستوى نهج البلاغة . . . وهذا موضوع لا نخوضه هنا . فالمجاهدون والعلماء ومرابطو الملحمة ، الخالدة ، قد سلكوا هذا المسلك حريصين ومضحّين بكلّ ما عندهم من نفيس ، فجعلوا تلك الموسوعات والمصادر الكبيرة في تناول من ينشد الحقّ ، فجزاهم اللّه عنّا خير الجزاء . وبصدد الخلود الّذي يتمتّع به نهج البلاغة ، فالكتاب جوهرة لا يعلوها غبار البلى ، يزداد لمعانا وإشراقا يوما بعد يوم ونرى العالم يتعرّف عليه أكثر وأحسن ، لأنّه من كلام إمام لمس الآلام كلّها وشعر بما يعانيه الانسان ، وجرّب الأعاصير والفتن وخرج منها خالصا مرفوع الرأس ، وذلك بفضل ما لديه من معرفة ونور إلهيّ كإمام . إنّ نهج البلاغة يحتوي على كلام الامام الذي صيغ في عبارات قصيرة جزلة رائعة تصوّر لك الكمال الانساني تصويرا دقيقا ، وتميّز خطّ الفلاح من المسالك الوعرة والمهاوي والمهالك ، ولذلك ، ليس نهج البلاغة كتاب بلاغة فحسب بل هو في نفس الوقت نهج جهاد ونهج حياة ونهج فلاح . ولكن من المؤسف أنّه مضى ألف عام على جوهرة مشرقة مثل نهج البلاغة وذخيرة زاخرة مثل هذا السفر الكريم ولكنّ الأمة الاسلاميّة لم تستفد منه حق الاستفادة ، ومع أنّ العلماء تمتّعوا به وعانوا الكثير في سبيل سبر أغواره ، نرى عامّة الناس في المجتمع الاسلامي وثقافتهم محرومة من بركات هذا النبراس حتى النصف الأخير من هذا القرن ، حيث أنس العالم الاسلامي منذ ذلك الوقت باسم هذا الكتاب وتاسّى بتعاليمه أصحاب الحركات الفكريّة والثورية . على أيّ حال نأمل أن يكون نهج البلاغة فلاح ونهج نجاح للامّة الاسلاميّة جمعاء .